التقرير السياسي

 

التقرير السياسي

الذي اقره اجتماع المجلس الحزبي المنعقد بتاريخ 20/12/2013

الحزب الشيوعي الأردني

 

ا

مقـــــدمة

السمة الأساسية للحظة الراهنة التي يجتازها بلدنا وشعبنا تتمثل في تنامي الصراع بين ارادتين: إرادة مهيمنة قابضة على السلطة والثروة، تمثل تحالفاً طبقياً لشرائح البورجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية والفئات الطفيلية، وارادة اخرى نقيضة لها تمثل الطبقات الشعبية والفئات الكادحة، يجري بدأب اقصاؤها سياسياً وتهميشهاً اقتصادياً.

والصراع بين هاتين الارادتين لم يعد محكوماً فقط بموازين القوى الطبقية والسياسية الداخلية، بل بات يتأثر كذلك بالتبدلات الجارية في العالم العربي. وقد تجسد هذا التأثير في انطلاق حراك شعبي سرعان ما اتسعت صفوفه ليضم الى جانب أحزاب وقوى المعارضة الوطنية الأردنية، ممثلين عن طبقات وفئات اجتماعية ساخطة ومتضررة من النهج الاقتصادي والسياسي للنظام في المدن والأرياف والبوادي كانت قد نأت بنفسها في أوقات سابقة عن المشاركة في فعاليات احتجاجية ضد سياسات السلطة. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى بدت السلطة الحاكمة، مع التبدلات العميقة، وخاصة في مصر، تتلمس سبيلاً يجنبها التعرض لأزمة حادة.

وقد فوت الطابع السلمي للحراك الشعبي، وتجنبه طرح شعارات مغامرة وغير واقعية، الفرصة على الجناح المحافظ داخل النظام من استخدام الآلة القمعية لمواجهة الحراك الشعبي، وأضعف قدرته على تجاهل مطالب الحراك الاصلاحية. وفي نفس الوقت مكّنت سلمية الحراك وواقعية مطالبه الجناح العقلاني داخل النظام من حثه على اعلان الاستعداد لتنفيذ اصلاحات، ادراكاً منه أن الاوضاع العامة السائدة في البلاد لا تحتمل تجاهل مطالب الاصلاح، وان الاعتراف بها والتجاوب معها يخدم مصلحة النظام ويقيه المخاطر والمجازفات المترتبة على اهمالها.

وقد عبرت الاجراءات والخطوات الاصلاحية التي نفذها النظام بوضوح عن أن دائرة صنع القرار قد راعت عند اتخاذه توجهات كلا الجناحين، دون أن تتخذ مواقف حاسمة في أي من الاتجاهين : الاصلاحي أو المعادي للاصلاح.

إن أي تقييم موضوعي لتجربة الحراك الشعبي على مدى أقل من ثلاث سنوات بقليل وللتنازلات التي أمكنه انتزاعها يقتضي أن نأخذ بالحسبان مدى نجاح الحراك وقواه في تعديل موازين القوى الاجتماعية والسياسية التي كانت قائمة قبيل انطلاقته لصالح الطبقات والفئات الاجتماعية التي عبر عن مطالبها ومصالحها وطموحاتها، ويتطلب الاجابة على تساؤل مفاده، هل ما تحقق يفتح أفاقاً أفضل وأرحب أمام النضال الوطني والديمقراطي الأردني أم لا ؟

فيما يتعلق بتناسب القوى الطبقية لا نعتقد ان هناك تبدلاً نوعياً قد حصل، يسمح للحراك بأن يحسم صراعه مع الجناح المحافظ في النظام وامتداداته في المجتمع لمصلحته، وأن ينتزع منه، كذلك، تنازلات اكبر وأعمق مما حصل.

ومع ان اسباب ذلك ودوافعه عديدة، الا ان الرئيسي منها يكمن في فشل القوى التي تقف خلف الحراك لغاية الان في تشكيل مرجعية تنظيمية تؤمن وحدة العمل والارادة، وتبلور خطة تحرك موحدة على نطاق البلاد، وتصيغ مرجعية سياسية مرشدة لنضالها. وقد لعب تغليب "الاخوان" لمصالح "الجماعة" الفئوية والضيقة، والالتزام بتوجهات التنظيم الدولي الاخواني الى اتخاذ "الاخوان" وذراعها السياسي "حزب جبهة العمل الاسلامي" مواقف من الأزمة السورية ومن التبدلات الجارية في مصر، عوامل اضافية أسهمت في تعميق شقة اختلافهم وخلافهم مع باقي أحزاب المعارضة ومع طيف سياسي واسع من القوى الوطنية الاردنية، غير أبهين بالشرخ الذي أصاب توافق القوى الوطنية الاردنية على القواسم الوطنية والقومية الجامعة.

كما أدت محاولات "الاخوان" المتكررة في تفريخ واستنساخ العديد من الحراكات الشبابية تحت مسميات مختلفة نسخت بصورة ميكانيكية مواقفهم السياسية، وخضعت لنفوذهم، لنقل الخلافات بين "الاخوان" وأحزاب الحركة الوطنية الأردنية الى أوساط الحراك الشعبي، الذي كان يجب أن يبقى، ما أمكن، بمنأى عن هذه الخلافات، وان يبقى همه محصوراً في المحافظة، بل في تعزيز الالتفاف الشعبي حول مطالب الاصلاح الداخلي والتغيير الديمقراطي.

لكن "جماعة الاخوان" أبت الا ان تفرض شعاراتها السياسية على كل مسيرة للحراك الشعبي، دون اعارة  أدنى انتباه الى طابعها الاستفزازي لقطاع لا بأس بعدده من المشاركين في المسيرات مما أدى الى حدوث قطيعة سياسية بين جناحين فاعلين في الحراك الشعبي – تيار الاسلام السياسي وتيار الاحزاب والقوى القومية واليسارية – أفضت الى غياب الفعاليات السياسية المشتركة، مما ترك أثراً سلبياً للغاية على الحراك الشعبي بصفة عامة، وعلى ان يتواصل بذات الزخم البشري الذي بدأ به.

 

الانتخابات النيابية

اجراء الانتخابات النيابية في ظل تنامي الفعالية السياسية للجماهير الشعبية ومشاركتها النشطة في الحياة السياسية والعامة، كان يجب ان ينعكس ايجاباً على متابعة الاستعدادات للاستحقاق الانتخابي، وعلى حيوية الحملات الانتخابية، وعلى نوعية المرشحين وبرامجهم وشعاراتهم.

غير ان الاجواء العامة التي سادت البلاد، وتلك التي أحاطت بالعملية الانتخابية من مختلف جوانبها بددت كل الآمال التي تطلعت لأن تسفر الانتخابات عن مجلس نيابي يستحوذ على ثقة الناس ويمثل تطلعاتهم ومطالبهم، مؤهل لأن يحدث نقلة نوعية في حياة البلاد السياسية والبرلمانية تعكس مطالب الحراك الشعبي والشبابي وتنسجم معها.

فاقدام الحكومة على رفع اسعار المشتقات النفطية  قبل اسابيع معدودة من توجه الناخبين الى صناديق الاقتراع، واصرارها ـ أي الحكومة ـ على اجراء الانتخابات بالاستناد الى قانون بقي جوهره محكوما بنظام الصوت الواحد المجزوء، شجع على عزوف قطاع واسع من المواطنين عن المشاركة في الانتخابات تعبيرا عن احتجاجهم على تجاهل الحكومة لمطالب الغاء نظام الصوت الواحد، وتغيير النهج الاقتصادي القائم الذي يعد المصدر الأساس لتنامي بؤس وشقاء، وتردي اوضاعها المعيشية.

حيال هذا الموقف الذي اتخذته القوى المتنفذة في دائرة صنع القرار الرسمي تباينت كذلك ردود الأفعال  ليس بين جماعة "الاخوان" وذراعها السياسي  جبهة العمل الاسلامي وبين تيار الأحزاب والقوى والشخصيات المستقلة اليسارية والقومية وحسب، بل داخل التيار الأخير نفسه، بين من ارتآى منها مقاطعة الانتخابات، وبين من آثر المشاركة فيها.

وكما هو معروف فإن حزبنا ارتأى لأسباب عديدة  الامتناع عن المشاركة في هذه الانتخابات. وكان من الطبيعي أن يثير هذا الموقف غير المسبوق في تاريخ الحزب منذ نشوئه ردود افعال متباينة حياله وأن تنقسم الآراء بين مؤيد ومنتقد له.   

في هذا السياق يجب التنويه الى أن موقف الحزب بالامتناع عن التوجه لصناديق الاقتراع لم يكن تعبيرا عن رغبة في الانكفاء عن المشاركة النشطة والفاعلة في الحياة السياسية، ولا عن مقاطعة سياسية لمؤسسات الدولة الأردنية مهما كانت محافظة في تركيبتها وتوجهاتها، بقدر ما كان احتجاجا على غياب الارادة لدى السلطة في التعاطي الايجابي والجدي مع عملية الاصلاح السياسي والاقتصادي والديمقراطي، وامعانها في انتهاج نهج معاد لمصالح الجماهير الشعبية والكادحة، وانحيازها لصالح الطبقات والشرائح الكومبرادورية والبيروقراطية والطفيلية، والتزامها بالدفاع عن مصالحها.

إن عدم مشاركة حزبنا في انتخاب مجلس النواب الحالي ليس سابقة يجب أن يبنى عليها في أي انتخابات قادمة، وهي لا تعبر على الاطلاق عن تبدل ما في منهجه الفكري وانحرافا عن نهج الواقعية السياسية التي تتعاطى مع الواقع بصورة موضوعية بقصد ادراكه وتغييره، لا الاستسلام  له والانقياد خلفه بارادة مسلوبة.

وانسجاما مع هذه الرؤية فقد شارك حزبنا بصورة محدودة في الانتخابات البلدية الأخيرة. وهذه المشاركة على محدوديتها، ورغم أنها لم تسفر عن نجاح أي من مرشحي الحزب، الا أنها كانت بمثابة امتحان لمنظمات الحزب ولمدى قدرتها على الانتقال من حيز الفكر الى حيز الممارسة العملية والتطبيق للأفكار والبرامج التي تدعو للعمل بين الجماهير ومعها لاستنهاضها وقيادة نضالها من اجل التغيير الديمقراطي.  

 

نظرة تقييمية للبرلمان السابع عشر

إن الأداء الضعيف لمجلس النواب الحالي وحضوره الباهت في الحياة السياسية الأردنية، وما تخلل بعض جلساته من عنف وصل حد استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية، وتقاعس غالبية النواب عن الدفاع عن مصالح ناخبيهم وحقوقهم الدستورية في حياة حرة وكريمة من خلال  مسايرة الحكومة في اجراءاتها وقراراتها الاقتصادية التي ارهقت المواطنين واضعفت قدراتهم الى درجة كبيرة على مواجهة الارتفاعات المتلاحقة في اسعار السلع والخدمات جراء الزيادات المتكررة في اسعار المحروقات والكهرباء وسلع ارتكازية أخرى، لا يشكل مفاجأة لأحد. فهذا الواقع البائس للمجلس يستمد وجوده من مقدمات تشكيله، الأمر الذي كان متوقعا على نطاق واسع.

 فالانتخابات باستنادها الى قانون الصوت الواحد المجزوء كرس واقعا تضاءل معه الاهتمام بالانتخابات وتراجعت الثقة في العملية الديمقراطية ذاتها. وكان هناك شبه اجماع بان العدد المحدود للغاية المخصص للقوائم الوطنية (27 نائبا فقط من اصل 150 نائب)  لا يعدو كونه اجراء يستهدف اضفاء مسحة تجميلية علّه يصبح مقبولا من بعض رافضيه. فبوجود القائمة الوطنية لم يطرأ تغيير جوهري على تركيبة المجلس النيابي التي بقيت عاجزة عن تمثيل مختلف مكونات الشعب الأردني الاجتماعية والسياسية. ولا زال المجلس كما كان في السابق يضم نوابا يعود الفضل في انتخابهم للثقل العشائري الداعم لهم، ولقربهم من مواقع النفوذ والتأثير، وليس لبرامجهم السياسية أو لسجلهم المتميز في مجال العمل السياسي والعام.

 كما حملت الانتخابات بفعل قانون الانتخابات الى قبة البرلمان عددا من رموز الفساد، والملطخة ايديهم بالتغول والتعدي على لقمة عيش الجماهير الكادحة، وغالبية ممن يسمون بنواب الخدمات، أما النواب الذين يمثلون مصالح البلاد بأسرها وهموم اهلها فهم قلة قليلة.

وفي ظروف استفحال الأزمة الاقتصادية وتزايد معدلات الفقر والبطالة، فشلت مساعي الهيئة المستقلة للانتخابات في الحد من  استخدام المال السياسي أو بتعبير أدق "المال الأسود" الذي  شكل اهم وسائل تزوير ارادة المواطنين والتحايل عليها والذي مكن عددا من النواب من الظفر بالمقعد النيابي، مما سيكون له كبير الأثر في محاصرة جهود مكافحة الفساد، وتشكيل مظلة حماية للفاسدين.

وكانت القوائم الوطنية الضحية الاولى للمال الاسود. فقد دفعت مبالغ طائلة للمشاركين في القوائم بهدف الحصول على اصوات أكثر للقائمة، او للتمكن من تأمين الحد المطلوب لتشكيل القائمة. وكان ذلك واضحاً من وجود اسماء في العديد من القوائم لا تهتم مطلقاً بالشأن الوطني او السياسي أو لها أية نشاطات عامة. وأدى الغزو المالي لافساد الهدف من القائمة الوطنية التي كان يفترض ان تكون تجربة حية قابلة للتكرار والتوسع لتساهم في تطوير الحياة البرلمانية مستقبلاً. وقد غابت البرامج عن غالبية القوائم، وان برامج بعض القوائم كانت شكلية وبدون اي مضمون.

واما على صعيد الدوائر الفردية فقد تضاعف كثيراً دور المال الاسود قياساً للدورات السابقة. وبالتالي شكل تدخل هذا المال السمة الاهم التي لازمت الانتخابات بشكل عام. فاذا ما اضيف لكل ذلك ان الانتخابات جرت بموجب قانون الصوت الواحد، المرفوض من اوسع الاوساط السياسية والثقافية والاجتماعية، بسبب الدور التدميري الذي لعبهً في حياة البلاد السياسية، ومن ذلك تعميق وتقوية الهويات الفرعية العائلية والعشائرية والاقليمية والطائفية على حساب المواطنة والدفاع عن الوحدة الوطنية، فانه يبدو جلياً ان نتائج الانتخابات بعيدة كثيراً عن تمثيل المجتمع الاردني او التعبير عن تطلعاته خاصة في المجالين السياسي والاقتصادي.

لقد كرس المجلس السابع عشر  خيبة امل شعبنا الذي راهن على ان تكون الانتخابات مرحلة جديدة لاعادة عجلة الاصلاحات السياسية والاقتصادية الى مسارها المطلوب. على العكس تدخلت القوى المحافظة في المجتمع التي تشاطر قوى الشد العكسي العداء للاصلاحات بقصد تكريس الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة والانتماء الوطني العام. وقد تبدى ذلك بوضوح في رفض "القوائم الوطنية" والسعي الحثيث لافراغها من مضمونها الى جانب دعمها مرشحين اصروا على خوض الانتخابات دون أن يكلفوا انفسهم عناء صياغة برامج لمعالجة الحالة السياسية والاقتصادية المتردية والتي تزداد عمقاً يوماً اثر يوم.

ويؤكد حزبنا من جديد ان المخرج من  المأزق الذي وصلت اليه الحياة البرلمانية والسياسية في بلادنا بعد الانتخابات النيابية الأخيرة  يتمثل في  تحقيق الاصلاح الشامل سياسياً واقتصادياًيؤدي الى وضع قانونانتخابي ديمقراطي يعتمد النسبية تتوافق عليه غالبية ابناء شعبنا، وتجري على اساسه انتخابات نيابية جديدة يتمخض عنها مجلس نيابي قادرعلى ممارسة دوره الرقابي والتشريعي.

ان حزبنا يناشد كافة الاحزاب والقوى الوطنية والحراكات الشعبية بكافة اطيافها السياسية النضال المتواصل والمثابر من اجل الاصلاح الشامل واقرار قانون انتخابات ديمقراطي يحظى برضى الجماهير الشعبية  ويدفعها الى المشاركة الواسعة والنشطة في العملية الانتخابية.

 

المشاورات النيابية لاختيار رئيس الوزراء وفريقه الوزاري

عدم استناد الكتل النيابية التي تشكلت بعيد الاعلان عن نتائج الانتخابات الى مرجعية  سياسية وفكرية وبرامجية جامعة، وافتقارها الى التجانس افضى في نهاية المطاف الى أن تخفق المشاورات التي حدثت معها في أن تعبر تعبيراً صادقاً وأميناً عن تطلعات الشعب الاردني في أن يحتل منصب رئيس الوزراء شخصية سياسية موثوقة في قدرتها وأهليتها على اختيار فريق حكومي متجانس يعتمد مبدأ الكفاءة بعيداً عن المحاصصة واسترضاء اصحاب النفوذ والجاه والثروة، مؤهل لأن يجترح برنامجاً حكومياً مغايراً تماماً لما درجت الحكومات السابقة على طرحه، يتحلى بالجرأة في التراجع عن السياسات والاجراءات التي تسببت في مزيد من الافقار وضنك العيش للجماهير الشعبية، واعتماد البدائل المقترحة لرفع اسعار المشتقات النفطية  واسعار الكهرباء وسلع ارتكازية ورئيسية أخرى رضوخاً لإملاءات صندوق النقد الدولي. ويتضمن هذا البرنامج كذلك خطط عمل واضحة وآليات تنفيذ محددة، تكفل وضع البلاد على سكة التحديث والتغيير الجدي والحقيقي في شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تبعث الثقة في نفوس الاردنيين على ان مستقبلهم ومصيرهم بات في أيد أمينة ، تشرع بجرأة وحزم وحسم في ردم الهوة التي اتسعت لدرجة خطيرة بين نظام الحكم والجماهير الشعبية، وتستعيد هيبة الدولة وأجهزتها التي بددتها سياسات واجراءات الحكومات السابقة، وتصارحهم في حقيقة اوضاعهم المالية والاقتصادية والمعيشية، وتمتلك الارادة السياسية والقدرة على تحفيز الطاقات والقدرات الوطنية وتوظيفها للخروج من الازمة الاقتصادية المستفحلة بعيداً عن  استجداء الدعم والاقتراض من المؤسسات الدولية بشروط مجحفة وقاسية والتعويل على الهبات من الدول  لسد العجز المتفاقم والمزمن في الموازنة العامة للدولة، وشن حملة جادة ومتواصلة ضد مؤسسة الفساد ورموزه.

الحريات العامة

لم يحدث ان كانت مواقف الحكومات الاردنية المتعاقبة منسجمة ومتسقة مع اقوالها فيما يتعلق بالالتزام بملف حقوق المواطن الاردني وحرياته الدستورية، والمكفولة بموجب التشريعات والعهود والمواثيق الدولية التي وقعها وصادق عليها الاردن.

ومن اللافت للانتباه أيضاً انه ما أن يحدث تقدم في مجال من المجالات، حتى يحدث تراجع، وانتهاكات، احياناً، خطيرة في مجالات اخرى.

فممارسة المواطنين لحرية التعبير عبر تنظيم المسيرات والوقفات الاحتجاجية والاعتصامات، صاحبه انتهاكات للحريات الاعلامية والصحفية واغلاق للعشرات من المواقع الاخبارية الالكترونية، وعدم الالتزام بالتوجهات الملكية بحصر صلاحيات محكمة امن الدولة وفقاً للنص الدستوريبخمس قضايا، ليس من بينها النظر في قضايا تتعلق بالنشر الصحفي والاعلامي او بالتعبير عن الرأي بمعناه الواسع، بمافي ذلك من خلال التظاهر والاعتصام.

لقد بات ضيق الحكومة بالرأي المخالف والمعارض وسعيها لتقييده وقمعه أحد مصادر الانتقاد الدولي للأردن، الامر الذي عرض سمعته للاهتزاز في المحافل الدولية المختلفة، وخاصة في مجلس حقوق الانسان، الذي خصص جلسة للاستماع الى التقرير الحكومي وتقارير الظل حول حالة حقوق الانسان في الاردن.

وقد كانت مفاجأة للوفد الرسمي الاردني ان تستأثر انتهاكات الاجهزة الرسمية الاردنية للحريات الاعلامية والصحفية باهتمام وفود العديد من دول العالم، بمن فيها دول واسعة النفوذ والتأثير في الساحة الدولية.

 

مهمات حزبنا في المرحلة الراهنة

أولاً: في المجال السياسي:

النضال مع مختلف القوى الوطنية والديمقراطية وخاصة اتحاد الشيوعيين الاردنيين من اجل الاستمرارفي الحراك الشعبي لتحقيق المطالب الاساسية لهذا الحراك وهي الاصلاح السياسي والاصلاح الاقتصادي، والتي تشمل على وجه الخصوص تحقيق ما يلي :

1- سن  قانون انتخاب يستند الى مبدأ النسبية ويسمح بحسن تمثيل الشعب ويؤدي الى وجود مجلس نواب ينال احترامه  وتقديره.

2- تنفيذ اصلاحات دستورية وقانونية عاجلة تهدف الى تكريس مبدأ الفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء، وتعزيزالحريات العامة والغاء المحاكم الاستثنائية وخاصة محكمة أمن الدولة، واحترام حق المواطنين في التعبير والتنظيم، وصون الاختلاف في الرأي.

3- العمل مع القوى القومية واليسارية من اجل تحقيق اجراء الانتخابات في مختلف المجالات النقابية والبرلمانية وفي الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني على قاعدة القائمة النسبية، باعتبارها الاصدق والاعدل تمثيلاً.

4-  تعديل قانون الجمعيات الاهلية بما يساعد على انشائها عن طريق الاشهار والغاء أي قيود على عملها واعفائها من مختلف الضرائب.

5- ضمان الحرية الحقيقية للصحافة ووسائل الاعلام الاخرى واحترام استقلاليتها واصلاح البنية التشريعية التي تضع قيوداً على حرية الاعلام وبما يتوافق مع المعايير الدولية، وتحريم التوقيف والاعتقال في قضايا النشر.

6- اطلاق حرية تشكيل التنظيمات الشبابية والطلابية بالاخطار.

7- تنفيذ احكام اتفاقيات العمل الدولية التي وقعت عليها الحكومة الاردنية المتعلقة بالحقوق والحريات النقابية، وخاصة حرية التنظيم النقابي.

8- العمل على تعزيز دوراتحاد الشيوعيين الاردنيين في الحياة السياسية والعامة للبلاد.

9- وضع حد لتدخل الاجهزة الأمنية بمختلف مناحي الحياة الا بما تقره القوانين الدستورية وبما لا يتعارض مع الحريات العامة لكافة المواطنين.

ثانياً : في المجال الاقتصادي

1- مطالبة الحكومة اعلان خطاب النوايا الموقع بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، والعدول عن نهج الليبرالية الاًقتصادية الجديدة واقتصاد السوق والخصخصة واعادة تحكم الدولة في القطاعات الاقتصادية والخدمية التي تمت خصخصتها.

2- تعديل قانون الضريبة بحيث يتم الانتقال الى قانون الضريبة التصاعدية وتقليص الضريبة غير المباشرة أي ضريبة المبيعات الى ادنى الحدود الممكنة، وعدم تخفيض العفاءات الضريبية للشخص الطبيعي، واقرار الاجراءات الضرورية لمعالجة عجز الموازنة.

3- اعطاء دورحاسم للقطاع العام في مجال التجارة الداخلية والانتاج المادي والقطاعات الخدمية الحيوية، كالاتصالات والكهرباء والمياه، وهذا يتطلب استعادة وزارة التموين لدورها في السوق الداخلية لكي تشرف على تأمين السلع والمواد الضرورية، وتحديد اسعارها، وتأمين الرقابة على الالتزام بها.

4- زيادة الرسوم على قطاع التعدين.

5- بذل جهود لوقف التهرب الضريبي وتحصيل الضرائب غير المسددة، واستعادة الأموال الأميرية.

6- زيادة الضرائب المباشرة على البنوك والشركات الكبيرة.

7- اتخاذ ما يتوجب من اجراءات سريعة لالزام اصحاب النفوذ بتسديد ما عليهم من ديون ومستحقات للخزينة

8- تعزيز دور مؤسسة الغذاء والدواء، واللجنة الوطنية لحماية المستهلك ومؤسسة مراقبة المستوردات، وحماية غذاء ودواء المواطن الأردني.

9- تعزيز اجراءات محاربة الفساد، وايجاد قضاء متخصص لذلك وتحديد صلاحياته في سرعة التقاضي والبت والتنفيذ.

10- استعادة الدولة لدورها الحاسم في التجارة الداخلية من حيث الاشراف على استيراد وتسعير وجودة المواد الغذائية الضرورية، ومنح اجهزة الدولة المختصة صلاحيات كاملة  في محاربة الغلاء ومكافحة الاحتكار والغش والتلاعب بالمواد التموينية.

11- تحويل المعونة الوطنية الى الاشخاص غير القادرين على العمل وإنفاق ما يتبقى من موارد مالية على مشروعات انتاجية في المحافظات.

12- تعديل قانون التقاعد المدني ومعادلة التقاعد .

13- المحافظة على اموال المشتركين في الضمان الاجتماعي وعدم تمكين الحكومة من التصرف بها بأي شكل من الاشكال.

 

ثالثاً: في المجال الاجتماعي:

1- صيانة وتطوير حقوق المواطنين في التعليم المجاني بمختلف مراحله وعدم السماح بتحويل مرافق التعليم الى أداة للربح والمتاجرة والسهر على ضمان ديمقراطية التعليم.

2- توسيع حقوق المواطنين في العناية الصحية والطبابة المجانيين وتوسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل جميع المواطنين.

3- حماية حقوق المرأة والدفاع عن الأمومة والطفولة. ومحاربة شتى اشكال العنف الموجه ضد المراة أياً كان مصدره، ومنحها كافة الحقوق والامتيازات التي تكفل مساواتها الحقة في شتى مجالات العمل والحياة.

 

رابعاً: في مجال الطاقة

 يطالب الحزب بما يلي:

1- تراجع الحكومة عن فكرة إقامة مفاعل نووي، وتوجيه الجهود والموارد المخصصة لهذا المشروع لصالح الاستفادة من مصادر الطاقة البديلة والصديقة للبيئة، بإيلاء مزيد من العناية الجادة لتطوير الدراسات والاستعانة بالخبرات العربية والعالمية وتأمين التمويل اللازم لتوليد الطاقة من الشمس والرياح، واستغلال الصخر .

2- التفات الحكومة الى دوافع المعارضة لتنفيذ مشروع المفاعل النووي، وبواعث القلق التي تنتاب العديد من القوى السياسية والمنظمات الاجتماعية وأصدقاء البيئة والخبراء الذين يشككون في جدوى تنفيذ هذا المشروع الذي تتزايد في جميع أنحاء العالم المطالب الداعية الى تقليص الاعتماد على الطاقة النووية وانشاء المزيد من المفاعلات النووية.   

3- الافصاح عن معادلة تسعير المشتقات النفطية .

 

الوضع العربي

يعيش العالم العربي في عدد من بلدانه تحولات كبرى من أوضاع سادت فيها أنظمة فقدت مبررات وجودها التاريخية، طابعها الاساس استبدادي تبعي، الى اوضاع باتت تضطلع فيها الجماهير الشعبية والكادحة بدور حاسم في تقرير مستقبلها وتحديد شكل النظام السياسي البديل الذي تتطلع الى قيامه.

المرحلة الانتقالية من الاوضاع السابقة الى الاوضاع الجديدة، ككل المراحل الانتقالية، لا تسير في خط مستقيم، صاعد على الدوام، بل في خط متعرج، قابل للانتكاس أحياناً ، وهذه المرحلة حبلى بالتناقضات المصاحبة  للصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية التي أطاحت برؤوس وأبرز رموز الانظمة البائدة، وأرسلتهم الى المنافي او الى خلف القضبان وتناضل من اجل تثبيت دعائم نظام جديد يقوم على الالتزام بالديمقراطية والتقدم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، وبين القوى التي شكلت القواعد الاجتماعية للانظمة التي سقطت رموزها، والتي تسعى عبر ممارسة أوسع عملية تضليل وخداع وتبديل للولاءات للحفاظ على موقع لها في السلطة الجديدة، يمكنها من المحافظة على اكبر قدر ممكن من الامتيازات والنفوذ.

ان هذا الصراع بين القديم الذي عفى عليه الزمن والجديد الذي لم يتبلور بعد بصورة كلية ونهائية، وان كانت معالمه واضحة لدى بعض القوى المحركة لعملية التغيير، والذي يدور بشكل أساسي على السلطة، لن يحسم خلال فترة وجيزة. والأطراف المنخرطة في هذا الصراع إما أن تلجأ الى وسائل سلمية وتخوض صراعها عبر الممارسة الديمقراطية، وإما أن يلجأ بعض اطراف هذا الصراع الى خيارات عنفية يتخذ شكل العمليات الانتحارية والمواجهات الدامية والتفجيرات المتنقلة.

ومع اندلاع الانتفاضات الشعبية في عدد من البلدان العربية قبل نحو ثلاث سنوات ساد انطباع ان البلدان التي فيها بنية مدنية راسخة نوعاً ما، كمصر وتونس وحتى اليمن ستتم فيها عملية التغيير بصورة سلمية، اما البلدان الاخرى التي غابت عنها او تواجدت فيها بشكل ضعيف وغير مؤثرمنظمات المجتمع  المدني فهي عرضة لأن تصطبغ فيها العملية الانتقالية بالعسكرة والعنف، كليبيا. وتبقى لسوريا خصوصية معينة نابعة من طبيعة الاهداف التي كانت ولا زالت تتوخاها بعض القوى التي استغلت المطالب الشعبية المحقة بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وتداول السلطة، وتظاهرت بتأييدها، لتحقيق اهداف اخرى ترمي الى انهاك الدولة السورية واسقاط نظامها السياسي.

ان نفاق الغرب الامبريالي يتبدى بوضوح من خلال ازدواجية وتعدد المعايير التي يستخدمها تجاه الانظمة العربية، التي تتشاطر جميعها دون استثناء في كونها معادية للديمقراطية، ومنتهكة لحقوق وحريات المواطنين، وكابحة للتقدم الاجتماعي وان كان باشكال ونسب متفاوتة.

هذا الانطباع يبدو للوهلة الأولى أنه يفتقر للصحة والواقعية. بدليل ان العنف انفجر في اكبر بلد عربي لديه منظمات جماهيرية راسخة وواسعة النفوذ والتأثير، كما هو الحال في مصر. ومن غير المستبعد، كذلك، ان تشهد تونس اندلاع موجات محدودة من العنف.

لم يكن بمقدور هذا الانطباع ان يلحظ في وقت مبكر من عمر ما اصطلح على تسميته بـ "الربيع العربي" ان تيار "التأسلم السياسي" الذي ادعى معارضته لاحتكار السلطة من قبل مبارك في مصر، او بن علي في تونس سيمارس احتكار السلطة و"أخونة" اجهزة الدولة الأمنية والسياسية والادارية بما يحد، وربما، يقضي من الناحية الفعلية، على مبدأ تداول السلطة، وهو أحد المبادئ الحاكمة لأي نظام ديمقراطي.

كما لم يكن بمقدوره ان يتكهن في هذا الوقت المبكر من مرحلة التحولات الكبرى ان "جماعة الاخوان" التي استفردت واستأثرت بالسلطتين التنفيذية والتشريعية في مصر وراودتها الاطماع للسيطرة على السلطة القضائية، والتحكم بالاعلام، تفتقر الى برنامج يلتف المصريون حوله، يتسلحون به للتصدي لمشكلات المرحلة الانتقالية، وانهاـ أي الجماعة ـ اعجز من ان تطرح أمام الشعب المصري أفقاً واقعياً للخروج من المأزق التي دفع نظام مبارك مصر اليه.

كما لم يكن متخيلاًعلى الاطلاق آنذاك أن يتمكن الشعب المصري من انتزاع زمام المبادرة من جديد وان يجترح مأثرة كفاحية جديدة تضاف الى مأثرة ثورة يناير باسقاط "نظام المرشد" والحاق الفشل الذريع بالمشروع السياسي لتيار "التأسلم السياسي". كما لم يكن متصوراً ان هول المفاجأة سيحيل "الاخوان" الى جماعة تنكر الواقع وترفض الاذعان لحقائقه ومعطياته، وتواصل الادعاء ان ما حصل يوم الثلاثين من حزيران والثالث من تموز ما هو الا مجرد انقلاب على الشرعية، وليس انتفاضة شعبية لملايين المصريين رفضاً "لحكم المرشد". وهذ الانكار والادعاء سيقودان "الجماعة" لاحقاً الى ان تستعيد سلاح "التنظيم الحديدي السري" وان تنفض الغبار عن آليات الاغتيال السياسي والعنف التي عادت من جديد لتكون احدى وسائل تحقيق الغايات والاهداف السياسية.

انتقال جماعة الاخوان وعدد من التيارات السلفية في عدد من بلدان "الربيع العربي" من معسكر الثورة الى مواقع السلطة، مع ما سبق ذلك من مساومات وصفقات وتنازلات قدمتها قيادة التنظيم الدولي للاخوان للدوائر الامبريالية والصهيونية، وخاصة الامريكية، ومع ما صاحب ذلك أو تبعه من شيوع للفوضى والعنف (مصر وتونس مثالاً) وانهيار لهيبة الدولة المركزية واجهزتها وسلطتها التي تقاسمتها ميلشيات مسلحة باسم "الشرعية الثورية" (على مثال ليبيا واليمن)، حمل البعض على الاعتقاد بأن "الربيع العربي" لا يعدو كونه "مؤامرة" حاكتها الاوساط الامبريالية للتخلص من أنظمة باتت عاجزة عن القيام بوظيفتها في خدمة المصالح والاطماع الغربية، وبالتالي أصبح استمرار وجودها يشكل عبئاً ثقيلاً على هذه الاوساط التي استغلت حالة السخط الشعبي الواسع لترفع غطاء الدعم عنها وتتركها تواجه مصيرها بمفردها.

هذا الاعتقاد، في رأينا يحاكم الامور بخواتمها ونتائجها. وهو الأمر الذي نادراً ما يكون صائباً. فليس صحيحاً على الاطلاق ان ملايين الساخطين والمحتجين على سياسات الانظمة الاستبدادية في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها قد تحركت بايعاز من جهات أو أجهزة ما. وتبين ان الدوائر السياسية والاستخبارية الغربية قد تفاجأت هي الاخرى بما جرى. ولكن الواضح أيضاً، ان هذه الدوائر لم تكتفِ بالمراقبة والمتابعة عن بعد، ولم تسمح للمفاجأة أن تقعدها عن السعي لاستعادة زمام المبادرة وتوجيه الاحداث في هذه البلدان في اتجاهات لا تهدد مصالحها او تقوض نفوذها.

ولم يكن عسيراً على الحكومات الامريكية والغربية ان تهتدي الى القوى المستعدة للتواطؤ معها  في ادراك هذه الغاية. فتيارات "التأسلم السياسي" ومنها الاخوان لم تتردد في تقديم الدعم لواشنطن، وابداء الاستعداد الخفي والمعلن للتواطؤ مع مخططاتها وأطماعها، والوقوف الى جانب مشروعها النيوليبرالي، رغم مواقفها المعادية لشعوبنا العربية، وخاصة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة. لذا لم يكن غريباً أن يشكل قطع المسار الثوري وخاصة في مصر وتونس ومحاولة إقصاء القوى الثورية الحقيقية عن مواصلة التأثير في مسار الاحداث ومنعها بكل السبل من المشاركة في ادارة شؤون البلاد عبر المؤسسات التشريعية والتنفيذية، نقطة التقاء مصالح الغرب الاوروبي والامريكي من جهة، والاخوان والجماعات السلفية من جهة اخرى.

وقد كان هذا التواطؤ أحد الاسباب الرئيسة التي دفعت جماهير غفيرة من الشعب المصري، بما في ذلك أوساط كانت قريبة من "الاخوان" شكلت جزءاً ليس قليلا ًمن قوتها التصويتية لأن تثور في وجه "الاخوان" وتطالب باسقاط حكمهم، وتقاوم بشدة أي توجه، بغض النظر عن مصدره اومبرراته، لاستبدال ديكتاتورية "علمانية" بديكتاتورية "دينية". وهذا ما يدفعنا الى ابداء قدر من التفاؤل بان اقامة "ديكتاتورية عسكرية" تستند الى الدور الذي اضطلعت به القوات المسلحة المصرية في تبني مطالب ثورة الثلاثين من يونيه امر غير قابل للتحقق على فرض وجود مثل هذا التوجه، لسبب بسيط وهو ان الشعب المصري بات سيد مصيره وصاحب الكلمة الفصل في تحديد مستقبله وشكل نظامه السياسي، الذي لا ولن يقبل الا ان يكون مدنياً وديمقراطياً.

وفي تونس بدات تلوح مؤخراً في الأفق مؤشرات على اقتراب التوصل الى حل للأزمة السياسية المستفحلة في هذا البلد منذ اشهر عديدة، شهدت حالات اغتيال سياسي لشخصيتين بارزتين في معسكر المعارضة للتحالف السياسي الحاكم الذي تهيمن عليه حركة النهضة، كما تعالت خلالها موجات لغضب شعبي عارم من سياسات حركة النهضة ذات الارتباط بالتنظيم الدولي للاخوان ونزوعها كغيرها من تيارات الاسلام السياسي للاستئثار بالسلطة واقحام نموذج الدولة الدينية على نظام البلاد السياسي والاجتماعي، مع ابداء العجز الكلي عن وضع حد لمعاناة الجماهير الشعبية الاقتصادية والمعيشية واقتراح حلول ناجعة للأزمة الاقتصادية الاجتماعية الآخذة في التعمق.

ان نجاح جبهة الانقاذ في كسر تمنّع حكومة حركة النهضة عن تقديم استقالتها يشكل خطوة ايجابية يمكن الركون اليها، تدفع الحوار الوطني لانجاز ما هو مأمول منه، ويمكّن المجلس التأسيسي من ان يلتئم بكامل اعضائه بمن فيهم الستون عضواً الذين انسحبوا منه قبل عدة اشهر احتجاجاً على رغبة انصار حركة النهضة فرض دستور غير توافقي يتعارض مع مدنية الدولة واحترامها لحقوق جميع مواطنيها دون تمييز.

وفي ليبيا لا زالت البلاد تعاني من غياب الامن والاستقرار، ونزوع الميليشيات المسلحة والتي يضم بعضها الالاف من اصحاب السوابق الجرمية لتقسيم البلاد فيما بينها واقتسام ثرواتها النفطية، بما يهدد وحدة البلاد الجغرافية وينتقص من سيادة الدولة الليبية على كامل اراضيها، يتم ذلك وسط تجاهل الادارة الامريكية والحكومات الاوروبية الغربية وعدم اكتراثها بما يجري في ليبيا من غياب لاجهزة الدولة المركزية، وتجّرؤ متواصل على هيبتها، وصل حد اقتحام محتجين لقاعة اجتماعات المؤتمر الوطني العام واختطاف رئيس الوزراء مؤخراً لبضع ساعات وافتقارها شبه الكامل للحكم الرشيد، والعجز عن فرض سلطة القانون والنظام العام.

لم يكتفِ حزب العدالة والبناء المنتمي لجماعة الاخوان باغراق البلاد في جدل حول التوجهات والاراء السياسية، اكثر من تكريس الوقت والجهد لصياغة برامج سياسية في الحكم وتنفيذها، بل واصلوا انتقاداتهم الحادة وغير المنطقية في اغلب الاحيان لرئيس الوزراء علي زيدان كونه يتبنى اراء أقرب الى العلمانية والليبرالية السياسية منها الى رؤاهم الدينية المتزمتة والمتصلبة.

ان غياب اهتمام حكومة طرابلس بالمناطق التي طالما عانت من اهمال في عهد نظام حكم القذافي كبرقة وفزان وجبل نفوسة مثلاً غذى النوازع الانفصالية لسكان هذه المناطق وعزز عدم ثقتهم في نوايا السلطات الحكومة المركزية التي تعاني، كما سبق وأشرنا، من ضعف بيّن، وحفز دعمهم لأي مبادرة تستهدف تحقيق الاستقلال الذاتي.

قدرة الميلشيات المسلحة على استهداف مناطق النفط والغاز  وتصديره مكّنها من ممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة وعمق من عجزها على مواجهة نفوذ هذه الميليشيات المتعاظم، ومعالجة اسباب تزايد الاحتجاجات والاعتصامات العمالية ومحاولات قطع الطرق التي باتت اكثر شيوعاً في الاشهر الاخيرة.

وفي السودان اندلعت قبل بضعة أسابيع مظاهرات شعبية حاشدة كانت شرارتها المباشرة اقدام حكومة تنتمي الى تيار التأسلم السياسي على رفع اسعار المشتقات النفطية. رد السلطات الحكومية على الاحتجاجات السلمية كان عنيفاً كالعادة. وسقط جراء العنف المفرط عشرات الضحايا والجرحى، وتم الزج بالعشرات من قادة وكوادر الاحزاب السياسية، ومن ضمنها الحزب الشيوعي السوداني الشقيق، في المعتقلات.

الاحتجاجات الشعبية لم تقتصر على مطالب ذات طابع اقتصادي، بل تجاوزت ذلك الى المطالب السياسية التي نادت برحيل نظام البشير الذي يتوهم ان بمقدوره حل الازمة المستفحلة في البلاد على حساب الجماهير الشعبية والكادحة .

وقد دعا الحزب الشيوعي في بياناته العديدة التي اصدرها الى تطوير الاحتجاجات الشعبية الى عصيان مدني يستهدف الاطاحة بالسلطة الطفيلية الحاكمة، حاثاً القوى السياسية المعارضة الى تشكيل اوسع تحالف سياسي وشعبي يعمل على تكوين حكومة قومية انتقالية تنجز مهام التحول الديمقراطي ووقف الحرب وعقد المؤتمر الدستوري وتحسين الاوضاع المعيشية واجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية المرحلة الانتقالية تكفل قيام البديل الديمقراطي.

وفي السعودية تحولت الاحتجاجات التي اندلعت في المنطقة الشرقية في شباط 2011 الى اطول واكبر حركة احتجاجية في تاريخ السعودية الحديث. وهذه الحركة التي غالباً ما يتم تجاهلها في المناقشات المتعلقة بانتفاضات ما يسمى بـ "الربيع العربي" تعبر عن مزيج من المسيرات والنداءات والحوارات عبر الانترنت حول الاصلاح السياسي واطلاق سراح السجناء السياسيين، وترديد شعارات ومصطلحات الكرامة والحرية والحقوق.  ومن اللافت ان الحركة الاحتجاجية اندلعت في المناطق ذات الكثافة السكانية المحرومة والمهمشة، بسبب التمييز المذهبي والتنموي.

غير ان موجات الاحتجاج التي شهدتها المناطق الشرقية من السعودية لم تنتقل الى بقية ارجاء البلاد، وتمكنت السلطات من اسكات الاصوات الليبرالية القليلة التي انطلقت من خارج المنطقة الشرقية منتقدة قمع الحكومة لمتظاهري القطيف. وقد اعتمد النظام الحاكم لتحقيق هذه الغاية خليط من الاساليب، منها الاحتواء والقمع وتوظيف شبكة محكمة من مؤسسات الدولة والهيئات الدينية والقبلية. كما لجأ الى توظيف خطاب طائفي سعى لإخافة "السنة" من المتظاهرين "الشيعة" والى تعميق عدم الثقة بين الطوائف واتباع المذاهب المختلفة في السعودية.

وعلى صعيد السياسة الخارجية. تراجعت السعودية عن الدبلوماسية الهادئة والصامتة في مواجهة أزمات المنطقة وتخلت عن آليات الضغط الناعم.

وقد عبر هذا التغير في السياسة الخارجية السعودية عن ذاته من خلال التعاطي مع احتجاجات البحرين والأزمة السورية . حيث زجت الحكومة السعودية في الحالة الاولى بقوات "درع الجزيرة" في قمع الانتفاضة السلمية البحرينية، وتحولت في الحالة الثانية الى احد الاطراف شديدة التطرف والعدوانية التي وفرت التمويل والدعم متعدد الوجوه والاشكال للجماعات المسلحة المتطرفة والتكفيرية في صراعها المستميت مع سوريا وشعبها ونظامها السياسي.

 وفي هذا السياق كان النظام السعودي في مقدمة القوى الرجعية العربية والاقليمية التي حرضت ودعمت لاحقاً الخطط العدوانية للادارة الامريكية بارتكاب حماقة عسكرية ضد سوريا، ولما نجحت الجهود في تفويت الفرصة على اعداء سورية بتنفيذ نواياهم العدوانية الضارية ضدها، اتخذ النظام السعودي موقفاً صريحاً ومعلناً اتسم بابداء الغضب والانزعاج من تراجع الادارة الامريكية وفشلها في "معاقبة" النظام السوري، وفي ابداء انفتاح غير مسبوق على الرئيس الجديد في ايران. وابداء الاستعداد لتسوية ملفها النووي بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

ومن الشواهد الدالة على ان الدبلوماسية السعودية لم تعد تفضل دبلوماسية الابواب المغلقة، انها اتخذت يوم 18 تشرين أول قراراً مفاجئاً ومذهلاً بكل المقاييس تتمثل في رفض شغل مقعد غير دائم في مجلس الامن الدولي. وقد عللت الحكومة السعودية خطوتها هذه بعجز مجلس الامن عن تحمل مسؤولياته في حل القضية الفلسطينية طيلة 65 عاماً، ولم يفرض تحويل الشرق الاوسط الى منطقة منزوعة من اسلحة الدمار الشامل ولم يتحرك لانقاذ الشعب السوري – على حد زعمها – من البطش والقتل واستخدام السلاح الكيماوي ضده.

وبصرف النظر عن التفسير الرسمي للخطوة ثمة تقديرات تؤكد ان الانقسامات الداخلية الحادة ادت الى ضياع مركز القرار في الرياض بين جيل من اصحاب القرار يعانون من "شيخوخة" واضحة، وجيل شاب يتصارع فيما بينهم لمن ستكون الغلبة في اعتلاء عرش المملكة .

جملة التبدلات المرتقبة في المواقف الامريكية والغربية من الازمة السورية ومن الملف النووي الايراني والتي شعر بها المسؤولون السعوديون بفطرتهم، وليس بحكم امتلاك المقدرة المفتقدة على قراءتها وتحليلها واستيعابها، وتؤشر الى ان النظام السعودي بات خارج دائرة التأثير الفعلي في احداث المنطقة، ولم يعد قادراً ولا مؤهلاً للعب دور رئيسي في صنع القرارات المتعلقة بها.

وفي هذا الاطار يجدر التنويه الى ان معاناة شعوبنا العربية كانت على الدوام مريرة من السياسات الرجعية الممالئة للامبريالية وخاصة الامريكية والمتواطئة مع مصالحها واطماعها، ومن الادوار المشبوهة التي اضطلع بها النظام السعودي في ازمات ومشكلات المنطقة وفي مقدمتها الصراع العربي والفلسطيني الاسرائيلي.

وانفجر الصراع الطائفي من جديد في العراق، مما يلحق أضراراً بالبلاد اقتصادياً وسياسياً، ويشكل الدعم العربي لبعض القوى الارهابية عاملاً اساسياً في تعميق أزمة العراق.

 

الازمة السورية

لأول مرة منذ اندلاع الازمة السورية قبل ثلاث سنوات الا بضعة أشهر، تلوح في الافق بادرة حقيقية وواقعية لوضع الازمة على سكة التسوية السياسية عبر عقد مؤتمر جنيف 2، الذي تؤكد التسريبات غير الرسمية انه سينعقد مع نهايات العام الجاري.

فرص انعقاد المؤتمر العتيد تعززت بعد ابداء الحكومة السورية موافقتها على المبادرة الروسية المتعلقة بالاسلحة الكيماوية السورية، وهو الملف الذي قفز فجأة الى صدارة الاحداث بعد مزاعم حبكتها اجهزة الاستخبارات وبعض الميديا الغربية والعربية حول استخدام الجيش السوري لاسلحة كيماوية ضد مدنيين في مناطق من ريف دمشق.

مقايضة تجنب العدوان الامريكي المدمر بتصفية مخزونها من الاسلحة الكيماوية بدت من وجهة نظر الحريصين على عدم تعريض الشعب السوري الى مزيدً من اعمال القتل والتدمير على يد آلة البطش الامريكية ذات القدرات الرهيبة، خطوة فيها قدر كبير من الحكمة والتبصر في العواقب، لا سيما ان هذه الاسلحة لم تعد قادرة على تأمين وظيفتها كقوة ردع بسبب انتفاء القدرة على استخدامها ليس من جانب سوريا فحسب، بل من أي دولة تعتبر نفسها جزءاً من المجتمع الدولي وتلتزم بأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الانساني.

ان انضمام الحكومة السورية الى منظمة حظر الاسلحة الكيماوية وسماحها لفرق التفتيش الأممية بزيارة مواقع التراسانة الكيماوية السورية، وتدمير مخزونها من هذه الاسلحة سحب الذرائع التي استندت اليها الولايات المتحدة وبعض من حلفائها الاطلسيين والعرب لشن عدوان على سوريا، كما انه منح اصدقاء سوريا وخاصة روسيا، مزيداً من المسوغات القوية لأن يضغطوا اكثر من السابق على الادارة الامريكية لبدء التحضيرات الجدية لعقد مؤتمر جنيف 2، وهو ما تجلى بصورة واضحة في تكثيف اللقاءات الروسية الامريكية حول الملف السوري، وفي اعطاء جهود الاخضر الابراهيمي قوة دفع اضافية، وفي اكتساب الحل السياسي والدبلوماسي للازمة السورية تأييداً دولياً واقليمياً متزايداً عبر عن ذاته في استدارة بعض الاطراف الاقليمية والدولية باتجاه دعم الجهود الداعية الى عقد مؤتمر جنيف2 في اسرع وقت ممكن.

لقد كان الموقف الروسي الصلب أحد أهم الدعائم للقبول بالحل السياسي للأزمة السورية. وقد تعزز هذا الموقف في اعقاب الاتفاق النووي الايراني مع الدول الكبرى، فالاتفاق لا يقر حق ايران في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية والموافقة على حقها في التخصيب بنسبة خمسة بالمئة فحسب، بل كذلك للاعتراف بدور ايران في المنطقة، وبالتالي المساهمة في تسوية الازمة السورية.

موافقة الادارة الامريكية، وبتعبير أدق الخارجية الامريكية على فتح مسار جنيف من جديد لم يحظ برضى بعض من حلفائها العرب، وخاصة السعودية التي أعربت صراحة عن عدم موافقتها على التوجهات الامريكية المستجدة تجاه الملفين السوري والايراني، دون أن يعني ذلك ان الموقف السعودي سيحافظ على تصلبه لفترة طويلة، حيث من الصعب ان نعثر على حالة واحدة في السياسة الخارجية السعودية مثلت خروجاً على الارادة الامريكية، وتجاوزاً لحالة تبعيتها المفرطة لسياسات الادارات الامريكية المتعاقبة، وان كانت روابط الشخصيات السعودية النافذة اليوم، وخاصة رئيس المخابرات السعودية، بندر بن سلطان، مع الادارات الجمهورية اوثق وأعمق. ومع ان انعقاد مؤتمر جنيف 2 لا يعني تلقائياً ان الحل السياسي بات متاحاً وفي متناول اليد. لكنه يعني فتح قناة اخرى،  من المفروض – والمنطقي ان تكون بديلة للحل العسكري الذي عولت عليه المجموعات الارهابية والمتطرفة وعدداً من داعميها من الانظمة الغربية والادارة الامريكية لتغيير النظام السياسي في سوريا بالقوة المسلحة.

جنيف 2 غايته تمهيد الطريق امام حوار الحكومة والمعارضة الوطنية في الداخل والخارج التي عارضت استخدام العنف بكافة اشكاله، بما فيها العنف المسلح والتدخل العسكري الخارجي أياً كانت مبرراته ودوافعه، للتوصل الى حلول للأزمة المركبة التي تعيشها سوريا، تؤسس لمرحلة انتقالية نحو نظام سياسي ديمقراطي تعددي يقوم على مبدأ تداول السلطة عبر الانتخابات الديمقراطية والحرة النزيهة، ويكرس قواعد راسخة للعدالة الاجتماعية ويكفل حقوق المواطنين وحرياتهم ورفاهيتهم.

نجاح مؤتمر جنيف 2 في ادراك هذه الغاية يصطدم بعقبات لا زالت تضعها بعض اطراف المعارضة في الخارج، التي تشترط لحضور المؤتمر العتيد ابداء الحكومة السورية استعدادها للتنازل عن السلطة وتسليمها الى جماعات المعارضة .

ان تمسك هذه الاوساط من معارضة الخارج بمثل هذه الاوهام من شأنه ليس فقط دفع مؤتمر جنيف 2 الى فشل ذريع، بل ان انعقاده بحد ذاته يصبح ضرباً من ضروب العبث السياسي الذي لا طائل منه.

غير أن تبعية هذه الاوساط للحكومات الغربية وافتقارها للاستقلالية في اتخاذ القرارات يجعلنا نعتقد ان هذه الطروحات لا تعدو كونها مناورات المقصود منها انتزاع اكبر قدر من التنازلات على طاولة المفاوضات سرعان ما سيتم التخلي عنها، اذا ما كانت الحكومات الغربية الداعية والداعمة لها، وخاصة الادارة الامريكية قد باتت فعلاً على قناعة بأن الأفق في وجه المعارضة التابعة لها للوصول الى الاهداف المتوخاة مغلق تماماً. وان الاستدارة باتت أمراً حتمياً لا مفر منها للحفاظ على بعض ما تبقى لها من مصالح ونفوذ في سوريا ومن حولها.

 

الوضع الفلسطيني

المستجد الابرز في الوضع الفلسطيني يتمثل في انعقاد عدد من جولات الحوار الفلسطيني- الاسرائيلي تنفيذاً لصيغة ملتبسة ووعود بدون أية ضمانات قدمها الطرف الامريكي بعد زيارات متلاحقة قام بها وزير الخارجية. وقد قوبل قرار السلطة الوطنية الفلسطينية بالموافقة على احياء المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي دون تنفيذ الحكومة الاسرائيلية أياً من الاشتراطات التي سبق للجانب الفلسطيني ان طرحها، وفي مقدمتها وقف الاستيطان، بموجة عارمة من الرفض من جانب الفصائل الفلسطينية، باستثناء حركة فتح. وقد قيّمت الفصائل الفلسطينية الموافقة الفلسطينية على انها تنازل كان يجب عدم تقديمه في ضوء غياب أية ضمانات جدية بأن هذه الجولات من المفاوضات. ستسفر عن التوصل الى تسوية تستجيب للحد الادنى من المطالب الفلسطينية، وتلبي الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية الوطنية المستقلة.

ان اكثر ما يثير القلق في موافقة الجانب الفلسطيني على احياء المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي يتمثل في ان هذه الخطوة اتخذت في ظل استمرار حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتفكك النظام الرسمي العربي، وانشغال بعض دوله الرئيسة بمعالجة اوضاعها الداخلية المضطربة، وانخراط بعضها الاخر في مخططات تدمير سوريا، واسقاط نظامها السياسي، دون اعتبار منها لما يتركه ذلك من مخاطر على الامن القومي العربي.

ان هذا المناخ السائد في العالم العربي، بقدر ما يشكل نقطة ضعف كبرى للجانب الفلسطيني، فانه يعتبر نقطة قوة اضافية للجانب الاسرائيلي الذي يجد نفسه اليوم اكثر من أي وقت مضى مسلحاً ليس فقط بالدعم الامريكي والغربي غير المحدود، بل ومطلق اليد في الاستفراد بالجانب الفلسطيني، وفرض تسوية مجحفة عليه، تستند الى موازين قوى مختلة تماماً ، وسط تواطؤ رسمي عربي وانخراط بعض الانظمة الرسمية العربية موضوعياً في ائتلاف غير معلن مع اسرائيل على قاعدة التقاء المصالح لاسقاط النظام السوري، ولمواجهة النفوذ الايراني المتنامي في المنطقة . والامر الذي تضمحل معه وفي ظله فرص تشكيل موقف عربي ضاغط على اسرائيل لالزامها بتسوية تضمن حقوق الشعب العربي الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف .

ولذا فقد كان الاجدر بالسلطة الوطنية الفلسطينية ان تتمسك بموقف يربط احياء المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي بتخليها عن مواصلة سياسة مصادرة الاراضي الفلسطينية وزرعها بمزيد من المستوطنات وان تتجنب الانخراط في مفاوضات تدرك السلطة قبل غيرها ان فرص نجاحها في لجم التوجهات والاطماع التوسعية الاسرائيلية غير متوفرة، وانها تكون فيها الطرف الاضعف الذي سيتعرض الى مزيد من الضغوط الاسرائيلية الامريكية المشتركة والهائلة التي تسعى لاستثمار انهيار النظام الرسمي العربي وتفسخه وتواطؤ بعض اطرافه الرجعية مع المخططات الامبريالية الصهيونية لانتزاع تنازلات فلسطينية تحمله على التغاضي عن الثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني.

ومما يثير الدهشة والاستغراب حقاً ان يواصل الوفد الفلسطيني المشاركة في جولات المفاوضات ، في الوقت الذي تقوم فيه سلطات الاحتلال بتوفير الغطاء السياسي والدعم الامني للجماعات الدينية المتطرفة التي تكررت في الآونة الاخيرة اعتداءاتها على المسجد الاقصى وباحاته. التي ترمي في نهاية المطاف الى فرض تقسيمه والسيطرة الصهيونية على اجزاء منه،

دون ان يستثير ذلك او يستفز مشاعر ادعياء الاسلام من "انظمة وتيارات واحزاب المنهمكين في نشاطهم الهّدام والدموي لأخونة السلطة السياسية وفرض أنظمة تستبدل الديكتاتورية اللادينية بديكتاتورية دينية معادية للديمقراطية والحريات العامة تستأثر كسواها من الانظمة الديكتاتورية بالسلطة وتتنكر لمبادئ التعددية السياسية وتداول السلطة.

وهناك مخاوف جدية من ان تنجح حكومة اسرائيل اليمينية والاحزاب المتطرفة والعنصرية في المجتمع الاسرائيلي في مقايضة التسوية السياسية العادلة التي تكفل حقوق الشعب العربي الفلسطيني بفرض ما يسمى "السلام الاقتصادي" الذي يشتمل على تخفيف القيود على حركة المواطنين الفلسطينيين وازالة عدد من الحواجز التي تعيق هذه الحركة بين المدن والبلدان الفلسطينية وان تفتح سوق العمل الاسرائيلي امام العمالة الفلسطينية المرهقة اقتصادياً بفعل شح فرص العمل في الاراضي الفلسطينية، واطلاق عدد محدود من الاسرى الفلسطينيين.

ان حزبنا يرى أن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني تتطلب  ان لا تنقاد السلطة الوطنية الفلسطينية بسهولة للوعود التي ثبت انها جوفاء، وأن تتخذ موقفاً يجمع بين المرونة دون تفريط، وتمسك بالثوابت الوطنية، والعمل في نفس الوقت على احداث تبدل في الوضع الفلسطيني يتجاوز حالة الانقسام الضارّة، وتغير في المناخ العربي سيتحقق حتماً بعد ان كسرت الشعوب العربية حاجز الخوف وامتلكت ارادتها الحرة، وتمردت على انظمة الطغيان والاستبداد والتبعية العربية.

الوضع الدولي

حددت التطورات المتلاحقة أهم السمات التي تميز الوضع الدولي، بعد المخاض الشديد والعميق الذي تعرضت له البشرية منذ غياب الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة.

فالسمة الاهم لهذه الحقبة الهامة في الوضع الدولي، هي انهاء القطبية الاحادية وعجز وفشل الولايات المتحدة الامريكية في الاضطلاع بمركز مهيمن في العالم وفي ادارة شؤونه، جراء التبدلات العميقة في ميزان القوى الدولي من جهة، واتساع التناقضات داخل البلدان الرأسمالية وفيما بينها من جهة ثانية. فاصبح العالم امام حالة من تعدد القطبية التي تتبلور ملامحها سياسياً واقتصادياً، حيث يتنامى دور مجموعة بركس التي تضم مجموعة من الدول الصاعدة كالصين وروسيا والبرازيل والهند وغيرها.واصبح واضحاً ان الدور المتنامي والهام لروسيا في المنطقة والعالم يساهم جدياً في ترسيخ أسس علاقات دولية جديدة تستند الى تعدد الاقطاب دولياً. كما تتسع وتتعمق تكتلات دولية في اسيا واميركا اللاتينية.

ولا زال العالم الرأسمالي، والعالم أجمع يعاني من تداعيات الأزمة الاقتصادية المالية التي انفجرت في الولايات المتحدة الامريكية بسبب الرهن العقاري عام 2008، فلم يبرأ العالم الرأسمالي من تداعياتها التي تعتبر الاشد منذ ازمة الكساد الكبير في نهاية عشرينيات القرن الماضي. فقد هزت هذه الأزمة المرتكزات الايديولوجية والتطبيق العملي  للرأسمالية، إذ ساهمت في انهاء القطبية الاحادية، وعمقت التناقضات في جميع الدول الرأسمالية وفجرت نضالات طبقية واجتماعية غير مسبوقة في هذه الدول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكشفت عمق العداء للرأسمالية في العالم، وخاصة في الدول الرأسمالية، حيث يشتد النضال المطلبي والذي تنضم اليه شرائح اجتماعية واسعة كما جرى في الولايات المتحدة واليابان والعديد من الدول الأوروبية. وتترافق هذه الأزمة العميقة مع زيادة الديون السيادية وزيادة معدلات البطالة والفقر، وتعمق أزمة منطقة اليورو.

وتعصف تداعيات الأزمة بعدة بلدان، خاصة تلك التي فرض عليها سياسة التقشف لمواجهة نتائج الديون السيادية كاليونان التي ارتفع فيها معدل البطالة الى نسب عالية جداً، واسبانيا وايطاليا. وانخفض المستوى المعيشي بحوالي 20% في اليونان و12% في اسبانيا و10% في ايطاليا خلال الفترة من 2007-2012. كما ارتفع معدل البطالة في دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وغيرها.

ويلاحظ ان طغيان الطابع المالي للأزمة الرأسمالية الحالية التي حدث بسبب الانفلات في حرية انتقال رؤوس الاموال والاعتماد على رأس المال المالي، والمضاربة في البورصات والابتعاد عن الاقتصاد الانتاجي الحقيقي، يجعل من العسير او حتى من غير الممكن الخروج من الأزمة، لإنه يتم التعامل مع نتائجها بينما المفروض اعادة النظر في اسلوب الانتاج، وهو الأمر الذي لا تسمح به الدوائر المالية المتنفذة في مختلف المراكز الرأسمالية، وبالتالي فان معالجة الأزمة تزيد من الضغوط على الطبقة العاملة والطبقات والفئات الفقيرة ومحدودة الدخل الأمر الذي يرفع معدلات البطالة والفقر ويعمق حالة عدم العدالة في توزيع الثروة والدخل.

ولا تهدد الازمة المالية – الاقتصادية الدول الرأسمالية الرئيسة في اوروبا وامريكا فقط، بل تهدد الاقتصاد العالمي برمته بسبب دور هذه الدول في مجمل الانتاج والتجارة الدوليين.

لقد حاولت الدول الرأسمالية ولا سيما الولايات المتحدة الامريكية معالجة المشاكل التي تواجهها من خلال توسيع الاستقطابات العسكرية ونشر التسليح لمواجهة حالات التراجع الاقتصادي، ولكن ضخامة الانفاق العسكري جنباً الى جنب مع تعمق المشاكل المعيشية والاجتماعية، ساهم في نهوض شعبي واسع ضد المخططات العدوانية الجديدة. وبرز ذلك بقوة عندما هددت واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية على سوريا. فقد انفجرت في الولايات المتحدة وغالبية الدول الأوروبية اوسع حملة احتجاج شعبية على خطط العدوان، وساهمت بقوة غير مسبوقة بتفكيك بعض التحالفات الغربية بخصوص العدوان العسكري، وحالت، مع عوامل كثيرة اخرى في وأد مخطط العدوان.

وتزداد التعقيدات امام الولايات المتحدة وبعض الدول الرأسمالية الاخرى في مواجهة قضية الركود الاقتصادي، خاصة بسبب الديون المرتفعة. فانفجار الازمة المالية في الولايات المتحدة مؤخراً جراء عدم الموافقة على رفع سقف المديونية، والتعطيل الجزئي للحكومة الفيدرالية وتهديد الاقتصاد العمالي جراء احتمالات انخفاض قيمة الدولار وتراجع التجارة والمدفوعات الدولية كان تهديداً خطيراً للعالم بأسره، بسبب دور الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي، ولان الدولار يشكل 70% من الاحتياطيات العالمية ....

وهكذا يصبح النهوض الطبقي والاجتماعي في الدول الرأسمالية أحد مميزات الوضع الدولي الراهن وتغدو الحاجة له لاتخاذ مواقف موحدة من قبل الدول النامية لمواجهة قضية المديونية الخارجية والتخلص من القيود التي يفرضها اقتصاد السوق والعولمة الرأسمالية الشرسة على العلاقات التجارية الدولية، وتعزيز التحالفات والتكتلات الاقتصادية والسياسية بين هذه الدول، والتصدي للسياسات الامبريالية الهادفة الى جر العالم لسباق تسلح مرهق، والدفاع عن السلم العالمي.

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس